الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
232
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف على قوله : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [ التوبة : 86 ] وهذا عود إلى بيان أحوال المنافقين وما بينهما اعتراضات . وهذه الآية زيدت فيها ( ما ) عقب ( إذا ) وزيادتها للتأكيد ، أي لتأكيد معنى ( إذا ) وهو الشرط ، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقا بالتأكيد ، ولأن المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية استيذانهم وهم لا ينكرونه . ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في قوله : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ [ التوبة : 86 ] . ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات والإعجاز ببلاغتها . فالمراد إذا أنزلت سورة ما من القرآن . وضمير فَمِنْهُمْ عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام ومن أواخر الكلام في قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، ولما في قوله قبل هذا : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ التوبة : 123 ] من التعريض بالمنافقين كما تقدم ، فالمنافقون خاطرون بذهن السامع فيكون الإتيان بضمير يعود عليهم تقوية لذلك التعريض . وقولهم : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً خطاب بعضهم لبعض على سبيل التهكم بالمؤمنين وبالقرآن ، لأن بعض آيات القرآن مصرحة بأن القرآن يزيد المؤمنين إيمانا قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] . ولعل المسلمين كانوا إذا سمعوا القرآن قالوا : قد ازددنا إيمانا ، كقول معاذ بن جبل للأسود بن هلال : اجلس بنا نؤمن ساعة ، يعني بمذاكرة القرآن وأمور الدين ( رواه البخاري في كتاب الإيمان ) . ولما كان الاستفهام في قولهم : أَيُّكُمْ للاستهزاء كان متضمنا معنى إنكار أن يكون نزول سور القرآن يزيد سامعيها إيمانا توهما منهم بأن ما لا يزيدهم إيمانا لا يزيد غيرهم إيمانا ، يقيسون على أحوال قلوبهم . والفاء في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا للتفريع على حكاية استفهامهم بحمله على ظاهر حاله وصرفه عن مقصدهم منه . وتلك طريقة الأسلوب الحكيم ، وهو : تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده لنكتة ، وهي هنا إبطال ما قصدوه من نفي أن